ابن الجوزي
180
كتاب ذم الهوى
عبيدة معمر بن المثنى ، قال حجّ عبد الملك بن مروان ، وحج معه خالد بن يزيد بن معاوية ، وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم ، وكان عظيم القدر عند عبد الملك ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام ، فعشقها عشقا مبرّحا شديدا ووقعت بقلبه وقوعا متمكّنا ، فلما أراد عبد الملك القفول همّ خالد بالتخلّف عنه ، فوقع بقلب عبد الملك تهمة ، فبعث إليه فسأله عن أمره ، فقال يا أمير المؤمنين : رملة بنت الزبير ، رأيتها تطوف بالبيت ، قد أذهلت عقلي ، وو اللّه ما أبديت لك ما بي حتى عيل صبري ، ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله ، والسلوّ على قلبي فامتنع منه . فأطال عبد الملك التعجّب من ذلك وقال : ما كنت أقول إنّ الهوى يستأثر مثلك . فقال : وإني لأشدّ تعجبا من تعجبك مني ، ولقد كنت أقول إنّ الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس : الشعراء والأعراب ، فأما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل ، فمال طمعهم إلى النساء ، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا إليه منقادين . وأما الأعراب فإنّ أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها ، ولا يشغله شيء عنه ، فضعفوا عن دفع الهوى فتمكّن منهم . وجملة أمري : ما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم ، وحسّنت عندي ركوب الإثم ، مثل نظرتي هذه . فتبسّم عبد الملك وقال : أو كلّ هذا قد بلغ بك ؟ فقال : واللّه ما عرفتني هذه الليلة قبل وقتي هذا . فوجّه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد فذكروا لها ذلك ، فقالت : لا واللّه أو يطلّق نساءه . فطلّق امرأتين كانتا عنده ، إحداهما من قريش والأخرى من الأزد ، وظعن بها إلى الشام . وفيها يقول : أليس يزيد الشوق في كلّ ليلة * وفي كل يوم من حبيبتنا قربا